( قطرات من ندم )
حينما رمى الليل بظلاله القاتمة على قلبها ، أقبل عليها
بتمتمات الحزن والشجون ، بعبرة المحزون ، وألقى عليها
تحية الأحزان ، وجثا بثقل همومه على جفنها الوسنان ،
فأفاقت من لذة الوسن ، على قسوة السنين ومرارة الزمن .
طأطأت برأسها العذراء ، وأرسلت من جفونها البكاء ، إلى
متى ونحيب الأسى يطول ؟
إلى من يا ليل ذلك المرسول ؟
دعني فقد طفح موج الدموع ، من مقلة حرى وقلب مفجوع .
فصاح الليل " ما لك يا جميلة ؟ أراك نائحة عليلة . أمنْ
فراق الأحبة البكاء فقالت لا وحقك بل منذ سمعت ذلك
النداء .
فقال : وما ذاك ؟
فقالت : " صوت دوى في مسمع الدهر ومسمعي ، ومنذ
سمعته تفتت أضلعي فذاك حبيب قلبي يصيح والقلب بين
ضلوعه جريح " ألا من ناصر ينصرنا " .
فلا والله يا ليل ما استقر فيّ السكون ، والدمع في مقلتي
مسجون .
أأغدو لنصرة الحبيب ، أم تراني أبقى هنا بعبرة ونحيب ؟
فما أمهلها القلب الحزين وقالت : حبيبي يا حسين إن كان لم
يجبك بدني عند استنصارك فقد أجابك سمعي وبصري لبيك
داعي الله لبيك سيدي أبا عبد الله لبيك .... لبيك ...
فأفرغت من حشاها دموعا من دماء ، وبكاء في بكاء في
بكاء ،
فأسرجت من حينها جوادها ، مترقبة فيوم العاشر ميعادها ،
وانطلقت تسابق الرياح ، ولكن بالدمع والنياح ،
حتى توقف مهرها ولم يبد الحراك ، فصاحت به هل
أصابك الهلاك ؟
فجالت ببصرها النقية العذراء ، وأبصرت منبعا من دماء ،
فصرخت ونادت أين أنا بحق السماء ؟
فأتاها النداء : إنها كربلاء .
فراحت تتخطى بين تلك الأجساد ، وأودعت في قلبها منابر
الحداد .
حتى وقفت عند الجسد المقطع بالسيوف ، وقالت : هل
تراني في أرض الطفوف ؟
حتى رمقت بطرفها الجسد الشريف ، فهالها فظاعة المنظر
، جسد بلا منحر .
وأبدت قربه جمرة الأنين أنت .... أنت بلا شك سيدي
الحسين
ليت السماء على الأرض تدكدكت والنجوم انتثرت ، وزلزل
ما بين الخافقين ... سيدي يا حسين .. سيدي .. يا حسين
...
فرمت بجسدها عليه معولة حزينة وتوجهت بألم وحرقة نحو
أرض المدينة ونادت " صلى عليك مليك السماء هذا
حسينك في العراء مسلوب العمامة والرداء مقطع الأعضاء "
فبين ذا وذا أصغت بسمعها ، ومزجت دماءه بدمعها ، وإذا
بهاتف ينادي " أسقوني ماء فقد تفتت كبدي من العطش ،
أسقوني ولو قطرة من ماء وحق جدي أنا عطشان "
فصاحت بصوتها البكّاء ، سيدي أنا قطرة الماء ...أتيت
لأنصرك
ولكن كما ترى فات الأوان فقد قضيت سيدي ظامئا عطشان
فهل لك بوصية توصيها أو نصيحة إليّ تهديها فنادى
الحسين " أيتها القطرة العذبة أبلغي شيعتي عني السلام
وقولي لهم إذا شربوا من عذبك شربة فليذكروني فأنا متّ
عطشانا غريبا "
شيعتي ما إن شربتم *** عذب ماء فاذكروني
أو سمعتم بقتـيـل *** أو ذبيح فاندبونــي
فأنا السبط الــذي *** من غير جرم قتلوني
وبجرد الخيل بعد ال *** قتل ظلما سحقـوني
30571 |
أخبار | مقالات |
